ابن عجيبة
26
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( فتنقلبوا ) : منصوب بأن في جواب النهى ، أو عطف على المجزوم ، و ( ما داموا ) : بدل من ( أبدا ) ؛ بدل بعض ، و ( أخي ) يحتمل النصب عطف على ( نفسي ) ، أو رفع عطف على ( أن ) مع اسمها ، أو مبتدأ حذف خبره ، أو جر عطف على ياء المضاف ، على مذهب الكوفيين . يقول الحق جل جلاله حاكيا عن موسى - عليه السّلام - : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ؛ أرض بيت المقدس ، قدسها اللّه ، حيث جعلها قرار أنبيائه ومسكن المؤمنين . وفي مدحها أحاديث كثيرة . وقيل : الطور وما حوله ، أو دمشق وفلسطين ، أو الشام ، الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي : التي كتب اللّه في اللوح المحفوظ ، أنها لكم مسكنا إن جاهدتم وأطعتم نبيكم ، وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ أي : لا ترجعوا مدبرين هاربين خوفا من الجبابرة ، أو : لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان ، وعدم الوثوق بالله ، فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ الدنيا والآخرة . روى أنهم لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا ، وقالوا : ليتنا متنا بمصر ، تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر ، ثم قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ أقوياء متغالبين ، لا طاقة لنا بمقاومتهم ، وهم قوم من العمالقة ، من بقية قوم عاد ، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها بأمر سماوي ، أو يسلط عليهم من يخرجهم من غيرنا ، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ فيها . قالَ رَجُلانِ ؛ كالب بن يوقنّا ، ويوشع بن نون - ابن أخت موسى وخادمه - مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللّه ، أو رجلان من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى ، وعليه قراءة يخافان بضم الياء ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام والتثبت ، قالا : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي : باب المدينة ، أي : باغتوهم بالقتال ، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ أي : ظاهرون عليهم ، فإنهم أجسام لا قلوب فيها . يحتمل أن يكون علمهما بذلك من قبل موسى ، أو من قوله تعالى : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، أو من عادته سبحانه في نصر رسله وأوليائه ، وما عهدا من صنيعه تعالى مع موسى من قهر أعدائه . ثم قال : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ به ، ومصدقين لوعده . قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها ، وهذا من تعنتهم وعصيانهم ، وأشنع منه قولهم : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ، قالوه استهزاء بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما ، وانظر فضيلة الأمة